عفيف الدين التلمساني
95
شرح مواقف النفري
ج - وأما كون الواقف إذا خرج عن رؤية ربه تعالى احترق ، فهو أيضا بوصفين : 1 - أحدهما أن يخرج عن رؤية الحق تعالى بوصف محو لنسبة راء ومرئي ورؤية ، وهذه هي الوحدانية المطبقة ، وهي درجة وليست دركة . 2 - والوصف الثاني أن يحصل له البقاء بعد الفناء بأن يقوم الحق عنه بوصفه فيكون الرائي هو الحق تعالى ، فقد خرج العبد بهذا عن رؤيته فاحترق ، واحتراقه هو فقد أنانيته ، وهذه درجة أعلى من تلك ، وهنا بحر لا يعام ومقام حيث لا مقام ، وسيشير الحق إلى ذلك في مسلك من المسالك . أما إذا كان العبد هو الرائي ، فإن الحق يكون سمعه وبصره ؛ إذ لولاه ما أبعدت العيون مناظرها ، ولا رجعت الأسماع بمسامعها ، وأما إذا كان الحق هو الرائي فمن يكون سمعه وبصره فأفطن . وذلك أن الحق من حيث وحدانيته وصمدانيته منزه عن الأسماع والأبصار ، ومن حيث إن تلك الصفات لعبده فهي له إذا محاه به عنه ، وذلك من حضرة قوله : « جعت فلم تطعمني » الحديث ، وليس تفسير هذا الحديث كما يظنه علماء الرسوم ، فنعود ونقول : هذان الوصفان هما احتراق الواقف إذا خرج عن رؤيته . قوله : ( وقال لي : الواقف يرى ما يرى العارف وما هو به ، والعارف يرى ما يرى العالم وما هو به ) . قلت : معناه ما تقدم من أن الواقف يسبق كل أحد إلى مبلغه ، فهو محيط بكل شيء ، وأما العارف فهو محيط بالعالم فيراه ، ومعنى قوله : « وما هو به » أن الواقف يرى العارف ، ويرى ما هو به عارف ، وأما العارف فيرى العالم ويرى ما هو به عالم . وبالجملة يرى كل منهما ما قام بكل منهما من أذواقه أو علومه . قوله : ( وقال لي : العلم حجابي والمعرفة خطابي والوقفة حضرتي ) . قلت : معناه أن العلم خطاب بلسان الغير ، والغير حجاب على هو ، وأما المعرفة فهي خطاب بلسان الحق ، فهي خطابه تعالى ، وأما الوقفة فهي حضرته والحق لا يحضره سواه بإجماعهم ، فليس معه غيره فهي حضرته ، وحده .